تؤكد جميع التقارير الحديثة أن تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم بوكو حرام قاما بإنشاء مخيمات تدريب لهما في جنوب إفريقيا. وهذا الأمر لم يكن مفاجئًا؛ إذ أن التاريخ يتحدث عن سجل جنوب إفريقيا في استضافة المجموعات الجهادية والمنظمات الإرهابية التي تدير مخيمات تدريب داخل حدودها. فمنذ التسعينيات، أسست إيران وحماس والقاعدة ومجموعات باكستانية جهادية أكثر من مجرد وجود لها في هذا البلد الأفريقي؛ فقد عملت على تدريب وتلقين وتجنيد المسلمين هناك، بل وجرى استخدام البلاد كقاعدة خلفية من أجل الإعداد والتجهيز واللوجستيات.
كانت حكومة جنوب إفريقيا على مر السنين على علم ودراية بالأنشطة المتطرفة داخل حدودها، وقامت بمراقبتهم، لكن دون اتخاذ أيّ إجراء ضدهم. وربما كان هذا “التغاضي” هو السبب الرئيس في تحول جنوب إفريقيا إلى حاضنة شعبية للمنظمات الجهادية والمجموعات المتطرفة. على سبيل المثال، ذكرت شبكة “سي بي أس نيوز”، عام 2004، أن جنوب إفريقيا أصبحت مركزًا لوجستيًا وماليًا للمجموعات الجهادية، وأشارت إلى أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أكدت استخدام البلاد كقاعدة خلفية لتنظيم “القاعدة”، إلا أن الحكومة هناك لم تحرك ساكنًا.
من اللاعبين النشطين في جنوب إفريقيا – إيران؛ فقد جرى تسريب وثيقة استخبارية جنوب إفريقية، عام 2010، تحت عنوان “تحليل الأهداف التشغيلية للمخابرات الإيرانية”، أفادت أن “جهاز المخابرات الإيراني ينخرط في تدريب مواطنين جنوب إفريقيين داخل بلادهم”. ووفقًا للوثيقة، تنظم إيران جلسات تدريبية منتظمة في جامعة “دار العلوم زكريا” في جوهانسبرغ، لإعداد طلاب محليين وأجانب لممارسة الجهاد ضد “العدوان الأمريكي” في الشرق الأوسط.
كما وعملت المخابرات الإيرانية على جلب مواطنين باكستانيين كثر إلى جنوب إفريقيا لحضور جلسات تدريبية في منشأة تدريبية أخرى في مزرعة بالقرب من مدينة “بورت إيليزابيث”. وافتتحت طهران كذلك منشأة تدريبية سرية ثالثة في “كوازولو”، وأصبحت بمثابة معسكر تدريبي خاص يركز على الطلاب المسلمين، بقيادة مسلمٍ جنوب إفريقي يتمتع بمؤهلات جهادية وله صلات بحركة طالبان.
وهنالك أيضًا تنظيم القاعدة الذي نشط كثيرًا في مخيمات التدريب والتجنيد في جنوب إفريقيا. ومن أبرز شخوص القاعدة هناك، المواطنان الجنوب إفريقيان فيروز أبو بكر غانشي، والزبير إسماعيل، اللذان عملا إلى جانب أحمد الخلفان غلياني في مجالات التجنيد، قبل أن يجري اعتقالهم من قبل السلطات الباكستانية في وقت لاحق. وهنالك أيضًا الليبي الخطير إبراهيم طنطوش الذي استخدم وثائق مزورة لممارسة الأعمال الجهادية انطلاقًا من جنوب إفريقيا، بالإضافة إلى الجهادي التونسي الذي انتقل من ألمانيا لجنوب إفريقيا للتخطيط لعمليات تفجيرية في أوروبا. ولا ننسى كذلك “شبكة الزرقاوي” العميقة في جنوب إفريقيا، وما أنتجته من عمليات جهادية انطلاقًا من تلك المناطق.
ومن اللاعبين الأوائل كذلك في جنوب إفريقيا – حماس، إذ أسست لها منشآت تدريبية هناك في أواخر التسعينيات. ففي شهر يوليو/تموز عام 1997، أطلق أول معسكر تدريبي حمساوي عملياته في ميبومانلانجا في ناتال. ويمكن معرفة هذه الحقيقة من خلال معلومات استخبارية جنوب إفريقية تفيد أن “حماس تعمل في البلاد على جمع الأموال والتدريب العسكري والتجهيز الإعلامي”.
وفي عام 1997، زار ممثلو حماس مخيمًا شبه عسكري في “غرينبوش”، وأقروا إجراء تعديلات وتحسينات عليه، بعد أن قدموا من مخيم شبه عسكري آخر في “ليناسيا”. علاوة على ذلك، حصلت محادثات في أواخر التسعينيات حول “إمكانية اختباء ناشطي حماس في جنوب إفريقيا عندما يضيق بهم الحال في الخارج”. وقد عينت حماس الشيخ ظافر نجار لتنسيق التجنيد في جنوب إفريقيا. ووفقًا لمعلومات استخبارية جنوب إفريقية، “تهدف بنية حماس التحتية السرية في الخارج إلى تدريب مجموعة من النشطاء للقيام بأنشطة دينية وقومية، بعضها سري والآخر علني”.
الخلاصة
استخدمت المجموعات الإرهابية جنوب إفريقيا لأكثر من عقدين كمكان للتجنيد والتدريب والتجهيز. وفي ظل القوانين المتساهلة والفساد المستشري، أصبحت جنوب إفريقيا حاضنة للجهاديين والإرهابيين المخضرمين. ومن الملاحظ كذلك أن التنوع في البلاد جعل مسألة الامتزاج في المجتمع أمر في غاية السهولة، بما يتناغم مع أهداف الجهاديين تمامًا.
لدى الجالية الهندية الكبيرة في جنوب إفريقيا اتصالات وثيقة مع الهند والباكستان، وبات من السهل على الباكستانيين والأفغان إقامة معسكرات تدريبية في جنوب إفريقيا لصالح المجموعات الجهادية المذكورة أعلاه. وأخيرًا، إن منظمات مثل الدولة الإسلامية وبوكو حرام وجدت سهولة بالغة في إدارة معسكرات عملياتية حالية في جنوب إفريقيا، في ظل توافر الظروف الأمنية المناسبة لذلك.
النص كاملًا متوفر باللغة الإنجليزية هنا